جلال الدين السيوطي
557
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
وكان أحد الفضلاء المشهورين ، وله تصانيف معروفة . مات بإشبيلية في صفر سنة خمس وأربعين وستمائة . وقال ابن الأبّار : أخذ العربيّة عن أبي الحسن نجبة ، ولزم أبا بكر محمد بن خلف بن صاف النحويّ حتى أحكم الفنّ ، وقعد لإقراء العربيّة بعد الثمانين وخمسمائة ، وأقام على ذلك نحوا من ستين سنة ، ثم ترك ذلك في حدود الأربعين لكبر سنّه ، وله تواليف بديعة : شرح الجزوليّة ، شرحين ، وكانت فيه غفلة الفضيلة . قالوا كان يوما إلى جانب نهر وبيده كراريس يطالع فيها ، فوقع كرّاس في الماء ، فغرفه بآخر . والشلوبين بالشين واللام والواو والباء الموحدة وبعدها ياء آخر الحروف ونون ، وهذه اللفظة بلغة الأندلس معناها الأبيض الأشقر . وقال صاحب المغرب في أخبار المغرب : صنّف أبو علي الشلوبين كتاب التوطئة في النحو ، ثم لم يزل كلّما رأى رأيا ألحقه بها ، فزاد ونقص وغيّر ، فسارت عنه عدة نسخ حتى رغب عنه من كان يرغب فيه ، وله من الشهرة ما يغنيه عن الإطناب في الوصف . وكان في لسانه رثة يردّ بها السين والصاد ثاء ، ولما أراد المأمون التوجّه إلى مرسية ، وأنشده الشعر ، أقام الشلوبين وأنشد قصيدة لم يفهم منها غرض ، ثم دعا دعاء يقول فيه : ثلمك الله ونثرك ، فكان كما قال : عاد المأمون وقد ثلم عسكره ونثر . وقال أيضا في تاريخه : ينسب إلى شلوبينة من عيون غرناطة الساحليّة ، وهو إشبيليّ ، وكان والده خبّازا بها ، فأنفت نفسه عن صنعته ، وانحرفت همّته عن حرفته ، وعكف في صباه على النحو حتى برع فيه ، ولم يكن أحد في عصره يوازيه ، شهدت مجلس إقرائه بإشبيلية غاصّا بالبلديين والغرباء من الآفاق ، ثم رحلت فوجدت ذكره قد ملأ مسامع أهل الشام والعراق . وكان مع إمامته في النحو مقرئا لمصنّفات الأدب الجليلة قائما بمعرفتها وضبطها وروايتها عامرا بذلك غدوّه وأصيله ، قرأت عليه منها الكامل للمبرّد ، وديوان أبي الطيب ، وسمعت غيري يقرأ عليه غير ذلك ، وهو في جميع ذلك كالعارض الصيّب إلا أنّ النحو